عمر فروخ

424

تاريخ الأدب العربي

ومع أنّ نفرا من هؤلاء المتعلّقين بهذه النظريّة كثيرا أو قليلا هم ممّن أعرفهم وأجلّهم ، فإنّني لا أملك استغرابي من استمرارهم في موقفهم بعد أن صدر في النظرية العربية للشعر الأوروبي دراسات علميّة مفصلة باللغات الإنكليزية والألمانية والإسبانية والفرنسية . لا أريد أن أعتقد أنّهم قرءوا هذه الدراسات . ولكن أليس غريبا مستغربا أن يقول الافرنسيون والإيطاليون والألمان والإسبان إنهم قد أخذوا شعرهم من أزجالنا وموشّحاتنا ثمّ يأتي نفر منا فيزعمون أنّ موشحاتنا وأزجالنا مأخوذة منهم ؟ لقد تبنى هذه النظرية الأجنبية نفر من العرب ، منهم في لبنان مؤلفو كتاب « الأدب العربي في آثار أعلامه » « 1 » فقالوا ( 2 : 233 ) : « وقد تأثّر شعراء الأندلس بطرق منشدي الشعر الاسباني الأصلي ، فمالوا إليها في شعرهم العربيّ ونظموا أبياتهم ومقاطعهم موافقة لأصول التلحين والغناء . . . » وكذلك فعل مصطفى عوض الكريم - ولكن مع شيء كثير من الإصرار - إذ بدأ بقوله ( فنّ الموشح 107 ) : « إن كثيرا من الأسئلة الحائرة لا تجد جوابا شافيا إلّا إذا قبلنا النظرية القائلة بأن الموشحات ما هي إلّا تقليد لشعر غنائي عجمي ، وهي النظرية التي جاء بها

--> ( 1 ) الأدب العربي في آثار أعلامه ، نصوص منتخبة وفقا لمنهاج البكالوريا اللبنانية لخليل تقي الدين وفؤاد أفرام البستاني وواصف بارودي ( 1897 - 1962 م ) ، المطبعة الكاثوليكية 1935 . واصدر بطرس البستاني ( 1895 - 1969 م ) كتابه « أدباء العرب في الأندلس وعصر الانبعاث » ( بيروت 1937 ) فقال ( ص 80 ) « ولم يكن للأسبانيين موسيقى راقية قبل الفتح الإسلامي . فلما افتتحت الأندلس وانتشر الغناء العربي تهذبت موسيقاهم واصطبغت بألوان عربية بينة : منها أنهم اتخذوا الشبابة من آلات الغناء : وهي عربية الأصل ولهم أناشيد يسمونها Segrel وهي مأخوذة من الزجل العربي . . . وعندهم ربع صوت وثلث صوت . وأجزاء الأصوات عربية لا يستعملها في أوروبة غير الإسبانيين . وتقاطيعهم الصوتية تجري على نغم واحد كالتقاطيع العربية . ومن ألفاظهم ما يراجع فيه الغناء غير مرة ، كما يراجع لفظ يا ليل في الغناء العربي » . ثم يقول بعد صفحتين ( ص 82 ) : « فاتفاق منظومات التروبادور والموشحات في أكثر النواحي يحملنا على الاعتقاد أن العرب تأثروا بالأدب الأسباني الفرنسي ( كذا ) كما تأثر الإسبانيون والفرنسيون بالأدب العربي . فأخذ العرب فكرة التحرر من نظام الأوزان في أغانيهم وأخذ أولئك ( يقصد الأسبان والأفرنسيين ) القافية والصور الخيالية الجميلة » .